القضية الفلسطينية والسياق العام

بقلم/ عاطف أبو سيف

تمر القضية الفلسطينية بجملة من التحولات والتطورات خاصة فيما يتعلق بالسياق العام الذي يشمل مواقف الدول خاصة الكبرى منها.
والتحول الأهم في كل ما يجري دولياً أن العالم لم يعد يربط بين أزمات الشرق الأوسط وبين القضية الفلسطينية.
فالحكمة التي كانت تشكل جوهر أي فهم للتحولات في الشرق الأوسط والقائلة إن القضية الفلسطينية هي أساس كل الأزمات في المنطقة، وإنه لا يمكن فهم ما يجري في الإقليم المضطرب تاريخياً دون فهم موقع القضية الفلسطينية من هذه الاضطرابات والتحولات، لم تعد موجودة.
حيث لم يعد هذا الرابط أساس أي تدخل في أزمات الشرق الأوسط، ولم يعد من المجدي استدعاء القضية الفلسطينية من أجل فهم ما يجري.
فالقضية الفلسطينية ليست ذات صلة بأزمات الشرق الأوسط، ولا يمكن لها أن تقدم أي فهم أو إضافة لأي تدخل لمعالجة أزمات المنطقة.
لم يكن هذا اكتشافاً، لكنه شكل أساس الفهم الدولي والنظرة الدولية للصراع العربي الإسرائيلي، وربما يمكن اللهث وراء من يصدقون أن هذا الصراع لم يعد عربياً إسرائيلياً بل هو صراع إسرائيلي فلسطيني.
إنه خلاف «خفيف» على الحدود ونزاع على المناطق المتنازع عليها.
وما يلحق بذلك من مصطلحات تحاول حرف الأشياء عن جوهرها. ما حدث أن المجتمع الدولي وبالتحديد قواه الكبرى بدأت تكتشف أن الصراع ليس حقاً بين إسرائيل والعرب بل هو بين الفلسطينيين وإسرائيل حول بعض المطالب الفلسطينية التي يمكن في نهاية المطاف الإيمان بأنها مطالب انسانية واقتصادية ومعيشية، وليست مطالب سياسية.
لننتبه أن جل الدول العربية تتمتع بعلاقات ليست تصادمية مع إسرائيل، و»ليست تصادمية» تعني انها ليست في حالة حرب أو عداء، رغم أنها قد لا تكون في حالة سلام ثابت.
لنبتعد قليلاً عن الدول التي وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل ولننظر كيف يمكن لدولة مثل قطر تتمتع بنوع من العلاقات الدافئة مع إسرائيل رغم أنها لم توقع اتفاق سلام معها.
بل إن مندوبها في غزة يكاد يكون وسيطاً بين حماس وإسرائيل في الكثير من القضايا، هذا دون أن يتم تبادل السفراء.
ودولة مثل الإمارات تستقبل بعثات دبلوماسية إسرائيل خاصة في مؤتمرات أممية، ولا تقيم علاقات مع إسرائيل.
ولننتبه أيضاً إلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين المتزايدة عن علاقات واتفاقيات مع دول عربية مختلفة. أما العلاقات التجارية غير المباشرة فحدث ولا حرج ويمكن للأرقام أن تكون مذهلة في هذا السياق خاصة تجارة إسرائيل عبر أوروبا أو بشكل مباشر وتحديداً دول الخليج وحديثاً دول المغرب العربي.
بكلمة أخرى فإن من الواضح أن الفلسطينيين وحدهم من يخوضون صراعاً مع إسرائيل. لاحظ كيف غابت حتى فكرة تحرير الجولان عن صراع القوة في سورية.
حتى النظام ورغم محاولاته العودة إلى نغمة تحرير الجولان (التي لا يصدقه فيها أحد) فعل ذلك للحظات وفي سبيل الاستخدام الأدواتي للصراع مع إسرائيل وليس بنية إعادة توجيه بوصلة الاهتمام القومي.
لكن أيضاً ليس هذا بيت القصيد. صحيح أن موضع فلسطين في العلاقات العربية العربية لم يعد مركزياً، لكن الأهم أنها لم تعد محور تحديد علاقاتهم مع العالم الخارجي.
ففلسطين لم تعد قضية العرب الأولى، ومن الصعب إذا ما نظرنا بعمق إلى ما يجري في المنطقة العربية، التأكد من أنها تشكل هاجساً للفاعلين السياسيين في المنطقة العربية.
ربما على العكس يمكن بكثير من الطمأنينة التحدث عن تحسن في علاقات إسرائيل مع المنطقة العربية خاصة بعد الربيع العربي، حيث بات الثوار والباحثون عن الديمقراطية يعتبرون أن العلاقة مع إسرائيل تعني تعزيز مواقعهم المستقبلية في النظام الإقليمي الجديد، وتأكيد تحالفاتهم الآنية مع الغرب ودول أوروبا.
الأمر يشبه ما حدث في أوروبا الشرقية في موجة التحول الديمقراطي.
هل ترون كيف أصبحت دول وسط وشرق أوروبا أكثر تشدداً وتقيم علاقات أكثر دفئاً مع إسرائيل من عواصم الدعم التقليدي لتل أبيب. بالطبع لا يمكن نسيان ان التشيك كانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي صوتت ضد مشروع القرار القاضي بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العامة العام 2012.
هناك الكثير الذي يمكن قوله رغم ذلك عن التحولات في عواصم الدول الأوروبية، دون أن يعنى انه يمكن فهمه، لكن ما لا يمكن فهمه ولا بأي حال هو حالة الهرولة العربية نحو عناق المصالح الافتراضية مع إسرائيل.
الأمر الأهم وهو النتيجة التراكمية لكل ما يجري في المنطقة من تحولات، هو أن العالم لم يعد يرى العلاقة العضوية بين ما يجري في الشرق الأوسط وبين القضية الفلسطينية.
فمنذ وقت مبكر ورغم إجحاف القوى الكبرى بحق الشعب الفلسطيني ومساهمتها الفاعلة والأساسية في خلق نكبته وبعد ذلك نكسته، إلا أن ثمة ربطا جوهريا بين ما يجري في المنطقة العربية وبين ما يجري في فلسطين، فالأوروبيون أدركوا مبكراً كيف يمكن لمصالحهم أن تتضرر إذا ما فشلوا في التقدم أكثر تجاه المطالب الفلسطينية.
فمن تقرير شومان إلى تقرير قمة لندن خاصة عقب وقف تدفق النفط العربي العام 1973 إلى إعلان البندقية وبعد ذلك إعلان برلين العام 1999. أيضاً حتى على صعيد المواقف الأميركية فإن الدفع الأميركي تجاه عقد المؤتمر الدولي للسلام العام 1991 لم يكن إلا نتيجة للفهم الذي تبلور بعد حرب الخليج الأولى أنه لا يجوز إخراج القوات الدولية لتحرير الكويت وترك إسرائيل تحتل الفلسطينيين.
كما أنه لا يمكن فهم التحول الأميركي وإن السطحي في فهم ضرورة وجود دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل أو ما يطلق عليه حل الدولتين دون فهم الربط الأميركي بين القضية الفلسطينية وأحداث الحادي عشر من أيلول حيث يتم استخدام القضية الفلسطينية ضمن جملة الذرائع التي تعزز الهجوم على الغرب.
حتى أن القاعدة كانت تستخدم القضية الفلسطينية في تبريراتها.
ما يحدث الآن يجري بعيداً عن القضية الفلسطينية، فوجود داعش لا يرتبط بحالة الظلم التاريخي الواقع على الشعوب العربية من القوى الكبرى، بل إن همها هو السيطرة على مقاليد الحكم باسم قوى إلهية خفية، كما أن الصراع الطائفي غير المبرر لا يهدف إلا لتدمير القوة الذاتية للدولة الوطنية في الوطن العربي، كما أن الصراع بين كل القوى العربية في كل قطر عربي لا يستدعي فلسطين في أي من أوجهه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا مساءلة ؟ كتب “رائد عطير”

لماذا مساءلة ؟ كتب “رائد عطير” امين سر جمعية مساءلة. إننا في فلسطين نعيش حالة من ...

Powered by Dragonballsuper Youtube Download animeshow